HCA på arabisk - indledning på arabisk

Forfatter: Stig T. Rasmussen

مقدمة

هانس كريستيان أندرسن 1805-1875، يُعد من أكبر شعراء الدنمارك، وقد أطلق عليه النقاد شاعر الدنمارك الوطني. كتب روايات، مسرحيات وأعمالاً شعرية، لكن إسهامته الكبرى في الأدب العالمي كانت هي الحكايات الخرافية، والتي تأخذ بشكلها قالب الحكاية الشعبية، و بعض منها ينطلق من القصص الخرافية الشعبية التي كان الشاعر قد سمعها عندما كان صغيراً؛ لكن المحتوى لحكايات هـ.ك. أندرسن اكثر تعقيداً بكثير، فهي تتضمن في نفس الوقت مستويات عدة في بنائها. وعندما تكون الحكايات الخرافية هي أجمل ما يكون، يمكننا نحن الكبار وبذات المتعة التي يشعر بها الأطفال لدى سماعهم لها، أن نفهمها وبشكل أعمق عندما نقرؤها لهم بصوت عال.

يقول المؤلف نفسه:
" حكاياتي الخرافية هي للكبار كما هي للصغار في الوقت نفسه، إذ الأطفال يفهمون السطحي منها، بينما الناضجون يتعرفون على مقاصدها ويدركون فحواها. وليس هناك إلا مقدار من السذاجة فيها، أما المزاح والدعابة فهي ليست إلا ملحاً لها" ؛
وفي تعليق له في " حكايات خرافية وقصص" كتب:
" الراوي يجب أن يُسمع صوته من خلال الأسلوب، واللغة يجب أن تقترب من الشفاهة. القص هو للأطفال ولكن الكبار يجب أن يصيبهم نصيب من المتعة أيضا".
وفي سيرته الذاتية " قصة حياتي الخرافية " 1855، يستخلص الكاتب أيضاً: " في المجموعة الأولى التي صدرت لي كتبتُ الحكاية الخرافية القديمة والتي سمعتها عندما كنت طفلا بطريقتي الخاصة؛ ما زلت أذكر جيدا الأسلوب الذي كتبت به والذي كان هو الطبيعي بالنسبة لي ، ولكني كنت أعلم جيداً بأن النقاد المتخصصين سينتقدون هذه اللغة؛ فلكي يكون القاريء على بينةٍ من ذلك فقد أسميتها حكايات خرافية تُروى للأطفال، وبغض النظر عن ذلك فقد كان القصد أن تكون للصغار والكبار معاً".
ويتابع أندرسن": " لقد وضعت قصصي الصغيرة على الورق تماما كما لو كنت جالسا مع الأطفال بالتعابير التي أستخدمها شفهيا، وقد توصلت إلى إدراك أن الغالبية بأعمارهم المختلفة قد تفاعلت معها؛ أكثر ما استمتع به الأطفال كان ما أسميه السطحي، الكبار بالمقابل كانوا مهتمين بالفكرة العميقة. الحكايات الخرافية صارت للصغار والكبار، وبإعتقادي يجب ان يكون ذلك مهمة من يرغب بكتابة الحكاية الخرافية في زماننا هذا" (1،289-290).
يكتب هـ.ك. أندرسن عن الطفل في دواخلنا جميعاً، هذه النواة التي لها في الغالب مدخل مباشر إلى المخفي في شخصياتنا، ولكنه المستوى المؤثر فينا دوماً؛ والذي يخاطب بنفس الوقت تفكير الكبير الناضج. إن أعماله تدور حول شخصياتنا جميعاً، بجوانبها المضيئة والمظلمة، طبيعتنا البشرية وقدراتنا الإيجابية والسلبية، وحول شروط الحياة، الإنتقال من مرحلة الطفولة إلى النضج، حول الحقيقي والمزيف؛ حول القوى الإجتماعية، الفشل والصعود، اللاعدالة والعدالة التي تأتي لاحقا، الأمل والإنكسار ؛ إنه يستقريء في أفضل حكاياته دواخل كلٍ من الفرد والمجتمع بشكل نقدي ولكن بأسلوب فكاهي شيق.

نبذة مختصرة حول نتاج الكاتب هـ.ك. أندرسن
1805 ولد في الثاني من نيسان في أودنسه
1822 أولى محاولاته الأدبية
1828 حصل على الثانوية
1829 كتب أول عمل أدبي له بقصٍّ إبداعي خفيف الظل " السفر سيراً على الأقدام من قناة هولمن إلى الرأس الشرقي لجزيرة آما "، ومسرحية " حب في برج نيكولاي أو ماذا يقول المتفرجون في المقاعد الخلفية".
1831 كتاب في أدب الرحلات " صور الظل" التي تحوي قصتين يتجلى فيها بُعد القص الخرافي.
1835 أول رواية له "الفنان المرتجل" حول الإرتقاء الفني والإجتماعي
1835-1841 " حكايات خرافية"، "حكايات خرافية تروى للأطفال"، تحوي الحكاية الخرافية " حورية البحر الصغيرة" التي تُعد نقطة انطلاقه الفنية لمجمل أعماله.
1836 رواية " واو. تاء." حول الإرتقاء الإجتماعي.
1837 رواية " مجرد عازف" حول الإحباطات الفنية.
1839 مخطوطات نثرية "كتاب مصوَّر بدون صور" ( مستوحى من ألف ليلة وليلة).
1842 أدب رحلات " سوقُ شاعر".
1843-1848 " حكايات خرافية جديدة"، تحوي أهم أعماله" العندليب" و " الظل".
1845 صدرت رواياته باللغة الإنكليزية.
1846 صدرت حكاياته باللغة الإنكليزية.
1847 صدرت سيرته الذاتية باللغة الألمانية تحت عنوان " قصة حياتي بلا رتوش"، وبنفس العام صدرت أيضاً باللغة الإنكليزية تحت عنوان " قصة حياتي الحقيقية".
1848 رواية " البارونتان" حول الإرتقاء الإجتماعي وانتقال المجتمع بأكمله من العصر القديم إلى الجديد وحول النضج الفني أيضاً.
1850 صدور المجموعة الكاملة لما كتب حتى هذا العام من حكايات خرافية.
1851 كتابه في أدب الرحلات النثري " في السويد".
1853 الجزء الأول من المجموعة الكاملة.
1855 السيرة الذاتية " قصة حياتي الخرافية"، نسخة منقحة وموسعة من " قصة حياتي بلا رتوش" التي صدرت في 1847. بنفس العام صدر له كتاب بعنوان " قصص".
1857 رواية " أن تكون أو لا تكون" ، حول فقدان الإيمان واسترجاعه ثانية، وحول الفنان الذي لا يكتب أبداً ما يتمنى حقيقة أن يكتب.
1858-1872 "حكايات خرافية وقصص".
1863 كتاب في أدب الرحلات " في إسبانيا".
1868 كتاب في أدب الرحلات " زيارة إلى البرتغال في 1866".
1870 رواية " بير المحظوظ "، حول الإرتقاء الفني، الصعود إلى القمة، بأسلوب فكاهي ساخر.
1875 توفي في الرابع من آب في كوبنهاجن.


هـ. ك. أندرسن باللغة العربية

يدع هـ. ك. أندرسن أحد شخصياته تقول:
" أجد في تأليف الحكايات الخرافية مملكة الشعر العظمى، التي تمتد من قبور العصر القديم التي يفوح منها الدم إلى كتاب الأساطير المصور الطفولي البريء، الكتابة تجمع بين طياتها التأليف الشعبي والتأليف الفني، بالنسبة لي فهو يمثل الشعر كله، بكل بأشكاله، والذي يكون قادرا على ذلك، عليه أن يمازج بين التراجيدي، الكوميدي، الساذج، النقدي والفكاهي وأن يكون لديه الوتر الشعري، وأسلوب الروي للطفل، أن تكون لديه لغة لوصف الطبيعة، أن يوظف ذلك كله لخدمته" .
ذلك هو وصف المؤلف نفسه للغته والذي يدلّنا على دقته في استخدامه الخاص للغة: لذا فقد جاء الأسلوب اللغوي المتلاقح بانسيابية وبساطة مع الشعر ليعمِّق التعبير. و بتعامله الأصيل هذا مع اللغة يغني هـ.ك.أندرسن اللغة المحكية ويرقيّها.
قد يمكن مقارنة أدب هـ. ك. أندرسن بالأدب العربي بكتاب ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة، مضافاً لها وهج شعر الصحراء العربي في وصفه العالي الحساسية للطبيعة ومقامات الحريري أو مكنة المتنبي البارعة بالمعنى المزدوج للكلمات. اتسمت لغة ألف ليلة وليلة باللغة المحكية العامة، وألف ليلة وليلة لم تُعد إطلاقا أدباً ملتزما بضوابط اللغة في العالم العربي- تماما مثلما لم تُعدّ الحكايات الخرافية الشعبية من ضمن الأدب الدنماركي؛ ولكنها صارت الأساس في فن القص بالنسبة لـ هـ.ك.أندرسن، وقد أبدع إلى حد كبير في أفضل حكاياته الخرافية بأن جعل اللغة المحكية تحمل بين ثناياها عمقاً فنياً من النادر أن نجده في اللغة الفصحى المكتوبة التي نزع لها الأدب وينـزع لها اليوم.
هنا تكمن أيضا الصعوبة الخاصة في ترجمة أعمال هـ.ك.أندرسن إلى العربية. فلو ترجمت وفق ضوابط اللغة الفصحى الكلاسيكية المكتوبة ستفقد الإحساس بـ الحس العفوي الفني الغير الرسمي الخالي من التعقيد في تراكيبه اللغوية الذي تعكسه اللغة: الكبير يتحدث إلى الطفل- وإلى نفسه باللحظة ذاتها. وإن تمت ترجمتها إلى اللهجة المحلية يكون بالإمكان توصيل الكلمات بالفعل عن طريق الترجمة مثل الإشارات الصغيرة، الإيحاءات والإستخدامات اليومية الموجودة في كل اللغات المحكية العربية ولكن ليس في اللغة الفصحى؛ بالمقابل وفي هذه الحالة يفقد النص عن طريق الترجمة جزءً من ألقه ورهافته وإبداعه الفني. كان الحل هو التمسك بالترجمة إلى اللغة العربية الفصحى كأساس مشترك، وحاولنا أن نعطي اللغة المكتوبة إيقاعا قربيا من إيقاع اللغة المحكية ونترك لبعض خصائصها أن تحل هنا وهناك ونستخدم كلمات جديدة تساهم في توصيل أسلوب هـ.ك. أندرسن.
جاء اختيار مجموعة الحكايات الخرافية في هذا الكتاب ليشمل نصوصا للفترات المختلفة من نتاج الكاتب، كما إنها من القصص القصيرة بشكل أساسي، وأيضا لا تتطلب معرفة مسبقة للوضع الدنماركي. الحكايات التسع الأولى هي المجموعة الكاملة المترجمة لأعماله الفنية التي كانت نقطة الإنطلاق له تحت عنوان " حكايات خرافية تروى للأطفال" المجموعة الأولى، 1835.

الترجمة وطبع المختارات إلى العربية من الحكايات الخرافية في هذا الكتاب تمت بالدعم المقدم من قبل مؤسسة هـ. ك. أندرسن في أودنسه، الدنمارك.


قوى الأعماق

حكايات أندرسن الخرافية لا تقتصر على الأطفال فقط، إنها اعمال فنية مركبة تحكي عن شيء أساسي هو الجانب الإنساني في الحياة اليومية الذي يشكل الشخصية وتطورها، هذه العملية التي أما أن تخلق إنسانا منقسما أو كاملا.
يمكن للمرء أن يميز أربعة صنوف أساسية من الشخوص التي تشكل بأجمعها علما للشخصيات الإنسانية أو الانماط الشخصية التي تجسدت في الأعمال التي كشفت عنها موهبة الكاتب بالتدريج. فيما يلي سيتم ذكر بعض النماذج من الشخصيات التي سيضمها هذا الكتاب.
1. هؤلاء الذين يودون عن غير حق أن يكونوا الآخر.
أ. حورية البحر الصغيرة؛ من الأعمال الرئيسية
ب. قصة أم ( مأساوية)
ت. شجرة الصنوبر( حزينة-ساخرة)
ث. المحبّون( حزينة- ساخرة)
ج. حبة القمح السوداء ( حزينة –ساخرة)
ح. الحقيبة الطائرة(ساخرة-حزينة)
خ. البرغوث والبروفيسور( ساخرة)
د. الظل ( شيطانية؛ سيكولوجية السلطة)؛ من الأعمال الرئيسية
ذ. قبقاب الحظ( كوميدية)
ر. ثوب القيصر الجديد( كوميدية)
2. هؤلاء الذين يودون عن حق أن يكونوا الآخر
أ. فرخ البط القبيح (مرحة- مبالغة )
ب. تحت شجرة البلوط (حزينة)
3. هؤلاء الذين – عن غير حق - ليسوا غير أنفسهم
أ. ضفدع الطين (مرحة-شعرية)
ب. إنها الحقيقة صدقوني ( مرحة-ساخرة)
ت. العداؤون (شعرية- كوميدية)
ث. ثعبان البحر الكبير ( شعرية- كوميدية)
4. هؤلاء الذين - عن حق- ليسوا غير انفسهم.
أ. العندليب (مرحة- جادة)؛من الأعمال الرئيسية.
ب. بائعة أعواد الكبريت الصغيرة (نقد اجتماعي).
ت. الأم غسالة الملابس (نقد اجتماعي).
ج. الجنائني والسيد (كوميدية- تعرية للواقع).
ح. الجني العابث ( راقية مبطنة-مرحة).
خ. الراعية ومنظف المداخن (حزينة-ساخرة).
د. جندي الصفيح الصامد(مرحة-ساخرة)

خصوصية العمل في " حورية البحر الصغيرة" نقطة التحول في عمله الإبداعي:

سنطرح هنا رؤية تحليلية لإحدى الحكايات الخرافية - "حورية البحر الصغيرة" - لكي نوضح ما يحدث حقيقة في المستويات العميقة لنص الحكاية. لذا يُنصَح بقراءة هذه الحكاية قبل التعمق في التحليل.

البحر هو العامل الأساسي الأول في " حورية البحر الصغيرة"، واليابسة هي العامل الثاني. الحركة في الحكاية تنطلق من أعماق البحر إلى اليابسة وتعود من ثم إلى البحر. وجهة النظر هنا وعلى العكس من الحكايات الخرافية الأخرى التي تدور أيضا حول التوغل بالأعماق- لا تعود إلى بشر هنا بل إلى حورية البحر. الحورية هي كائن ينتمي إلى البحر و كانت هي بشوق إلى رجل أرضي يحبها كي تنعم بروح خالدة وجزء من سعادة البشر. شوق الحورية لا يتوافق مع نظام الطبيعة:
الفاصل الطبيعي بين الأرض والبحر؛ بينما يتبع الأمير قانون الطبيعة عندما يختار الأميرة لا حورية البحر. شوقها مليء بالتضادات؛ شوقها مانح للحياة ومهدد لها في آن واحد، تماما كالبحر. أوجهها الإيجابية والسلبية تكون وحدة واحدة- الكل- فيها. هي ليست حكاية عن قوة أعماق البحر الخيرة أو الشريرة ولكن عن طاقة منبعثة من الأسفل هناك موجودة أساساً قبل أن يوجد الفاصل بين الخير والشر. بجوانبها الإيجابية المانحة للحياة تقود الحورية الأمير متحرراً من ولد إلى رجل، وبجانبها السلبي فهي تهدد الأمير بإبقائه في أوائل مرحلة النضج والنشوء وتحول دون انتقاله منها في يوم ما.
تنقذ الحورية الأمير من الموت غرقاً، تحمله إلى اليابسة مغمياً عليه حيث تجده الأميرة هناك. حورية البحر تأخذ بالبحث عنه منذ ذلك الوقت على اليابسة. والأمير لم يتمكن من معرفة تلك التي أنقذته ولكنها تذكره بعروس المستقبل- هناك رابط عميق بين هاتين الإمرأتين: إنها حورية البحر في بنيتها الإيجابية التي تقوده إلى المرأة، لأن الحورية كمانحة للحياة تشكل في داخل الرجل تلك الطاقات التي تربطه بالمرأة التي سيتحد بها. عن طريق بنيتها الإيجابية وقيادتها له من الجانب الأنثوي إلى الرجولي تكمل المستقبل، وتضع نهايتها هي أيضا؛ ولكن بنيتها السلبية تكبر بشكل قوي خلال الحكاية ( من اللحظة التي تعقد فيها اتفاقاً مع ساحرة البحر) ويصير ذلك شيطانياً بقوة متصاعدة طرديا مع حبها الطفولي ( الذي يحمل رمزه تمثال الولد في حديقتها البحرية: الحياة الجامدة) قوة متصاعدة ضد الوقت تريده أن يبقى، حيث يصل ذروته في ليلة زفاف الأمير. لا يمكن للحورية أن تدخل المستقبل إن لم يحب الأمير الأميرة، لذلك كان يجب عليها أن تموت. والحورية ببنيتها الإيجابية عملت على اتحاد الأمير بالأميرة، وبذلك فهي بطريقة ما قد دخلت المستقبل أيضاً؛ ولكن ببنيتها السلبية تناقض ذلك فتتصارع الإثنتان في داخلها من أجل الفوز بحياة الأمير. فمازال بإمكانها أن تظل حورية ثانية إن قتلت الأمير: منحنية على العروسين النائمين والسكين في يدها، ولكنها ترميها باللحظة الأخيرة في البحر وتنحل وتذوب هي في البحر.

نهاية الحكاية مأساوية ليس لأن الحورية لم تفز بالأمير ولكن لأن الأمير بحبه الإنساني الحقيقي حصل على الأميرة وبهذا كان عليه أن ينفصل عن الحورية.

للحكاية هذه مستويان: الإفتراق الطبيعي بين الأرض والبحر؛ والإفتراق بين الحورية وبين الأمير والأميرة الذي يتم بلا رحمة ولامفر. وهذان المستويان يتطوران بانسجام طبيعي، وذلك لأن الحاضر في مسار الروي بتقدم وبذات الوقت تنشأ معركة بين الماضي ( الفصل بين الأرض والبحر) والمستقبل ( المملكة، استمرارية النوع- الإنسان). هذا التوافق الزمني هو مصدر إلهام الحكاية الأساسي والخلق الفني الجديد، له ارتباط وثيق بإعادة أندرسن لخلق قالب الحكاية الخرافية.

" حورية البحر الصغيرة" هي نقطة التحول الفني لأندرسن. ففي شوق الحورية وطاقة الحكاية الفعالة يصل الصعود بلا انقطاع من الأعماق عالياً إلى الأرض والضوء، وهو رمز يحمل شمولية واحتواء أكبر بكثير من حكاياته الخرافية المبكرة ( والروايات الأولى له)، إذ إن تناول الموضوعة لم يكن جديا تراجيديا.
في " حورية البحرالصغيرة " يجمع الكاتب شخصيته ويواجه ما نفضل نحن تجنب مواجهته- لأننا إن قمنا بذلك ستنقلب الأعماق علينا: هذا ما يرينا إياه " الظل" بوضوح شديد.


الحب عند أندرسن

بعض حكايات أندرسن الخرافية في الفترة من 1838-1848 تشبه بعضها، إنها " ذات القصة" ولكن متباينة، متوسعة، تتطور بالتدريج. تدور حول الحب، النساء، المال، الجنس وأهمية النقود في لعبة الحب. لقد تصارع أندرسن مع تجاربه السلبية التي آلمته وعذبته حتى جعلته يعبر عنها- بأنساق بالغة المعنى والأهمية. الحكايات الخرافية تظهر جهاده العاطفي العنيد. ولكنه وأثناء معالجته لنفسه يُسقِط أحكاما على بيئته المحيطة، - إذ ان كل خبرته متأتية من صدامه مع العالم. حكاياته تفضح وتسخر من العالم البرجوازي الذي ينتمي إليه بنفسه ولكنه بالمقابل لم يشعر يوما بإنتمائه الكامل إليه. كان ابن عامل بروليتاري، ولكنه بنفس الوقت رجل برجوازي على درجة عالية من التعليم؛ عرف حياة الفقر، - ولكنه مات كمليونير غُمِر بالألقاب والرتب والأنواط. بالرغم من ذلك فلم يشعر إطلاقا بأنه كان معترفاً به. كان يشكر ربه لنجاحه ولكنه كان غاضباً من الراقين، أصحاب الطبقة العليا في وطنه والذين لم يعترفوا بعبقريته.
– دعنا نتطلع على بعض من حكاياته الخرافية.
في "راعي الخنازير" وقد كتبت في عام ( 1839) يهجو أندرسن " حاشية القيصر" ذلك يعني علية المجتمع. ولكن النواة في الحكاية هو الانتقام من الحب. تقليد الحاشية المتبع هو الإزدواجية، الإستبداد الطبقي والإدعاء والتظاهر- وهو بالفعل صراع قوى. عندما تتحدث سيدات القصر بالفرنسية، الواحدة أسوأ من الأخرى، عندما تكون كل معزوفات الأميرة الموسيقية هي لحن واحد فقط تعزفه على البيانو بإصبع واحد فهذا يكشف عن السطحية التي تجعل الحاشية تفضل القِدر والخشخاشة على الوردة الجورية والعندليب. كان القيصر مُسيَّراً من قبل إبنته الغبية؛ هي التي تقرر.
أمرت الأميرة نساء الحاشية بتقبيل راعي الخنازير، وعندما اعترضن ذكّرتهن بأنها هي ربة العمل التي تقاضيهن أجورهن. يحصل راعي الخنازير على حجرة بائسة في حظيرة الخنازير- الفوارق الطبقية والإستبداد الطبقي. - نساء الحاشية لا يذكرن السعر الوقح الذي طلبه راعي الخنازير مقابل خشخاته. - إذاً بإمكانهن أن يهمسن، تقول لهن الأميرة. كانت على استعداد لدفع ثمن غير محترم شريطة ألا يعرف أحد بذلك. " تذكروا بأنني إبنة القيصر!"، كما تقول. هذه هي الازدواجية. كل شيء يقال بشفرات حكايات الأطفال الخرافية، ولكننا نفهم من خلف ذلك بأن على سبيل المثال مئة قبلة من الأميرة هو بمثل النوم معها بالفراش.
إنها البيئة، ولكن عن ماذا يدور كل شيء؟

بالبدء سنتناول بعض التضادات المهمة:
احتقار الأميرة للأمير هو العكس لقبولها لمربي الخنازير: راعي الخنازير نقيض الأمير. لقد نبذت إبنة الملك الحب الحقيقي ( الوردة الجورية، العندليب)- وتقبلت أن يكون الجنس مسألة يمكن التفاوض حولها. الأمير المنبوذ مقابل الأمير المنتقم. الأميرة الجريئة مقابل الأميرة الذليلة. القيصر المضطهد مقابل الأب المعاقب. نقطة الإنعطاف لهذه التضادات هي عندما يقوم الأمير بالتنكر بزي مربي خنازير- التناقض يستمر حتى ينتهي عندما يرمي الثياب ويعود مجددا الأمير الوسيم. هذا العالم بأجمعه مزدوج ومجزأ. الوردة الجورية النقيض للقِدر؛ العندليب نقيض الخشخاشة. لاحظ بأن والد الأمير متوفي، والدة الأميرة متوفية. كان يقتضي لهذين الشابين أن يتحدا ويكونا زوجاً من أم وأب جديدين. الوردة الجورية من قبر أب الأمير تجسد الحب الحقيقي – إنها تزهر كل خمس سنوات فقط، وبالمقابل فعطرها ينسي كل الأحزان. العندليب يعرف كل الألحان الجميلة- على النقيض من لحن الأميرة الوحيد. الوردة الجورية والعندليب هما الشيء الفعلي والحقيقي. الأميرة تعيش في عالم من الإدعاء والخداع والزيف. تحب المثير والإصطناعي. الوقت يمر مجرد تزجية وقت، على النقيض من أعمال راعي الخنازير اليدوية. هي تلعب مع نساء الحاشية لعبة " جاء الغريب": من المثير في هذه اللعبة تمثيل الأدوار المختلفة. عندما رُفض الأمير الصادق النية انتقم عن طريق: تنكره- بما هو نقيض له، ظله " نسبة إلى الحكاية الخرافية " الظل". – جعله القيصر يعتني بخنازيره وهذا يمثل الدوافع في أفعالهم وأشكالهم المشوهة.
" من هذه لدينا الكثير"، قال القيصر، الرجل المسكين. هيمنت عليه ابنته الطفلة الشريرة، لكنه يبقى غير مدمر. عندما غنى العندليب تذكر زوجته المتوفاة و" بكى مثل طفل صغير"، وهذا يعني شيئاً حقيقياً. عندما بكىلم يستطع التكلم- ولكن رجل عجوز في الحاشية قال، إن العندليب يذكره بصندوق موسيقى القيصرة المرحومة. ذلك يعكس لنا شعور القيصر، ولكنه هجاء أيضاً، لأن وضع الطير الحقيقي بنفس المرتبة مع صندوق الموسيقى هو أمر تافه- وهي الثيمة التي استخدمها الكاتب في حكاية العندليب.
الشيء الحاذق والصعب بشفرات حكايات أندرسن الخرافية هو انها يمكن ان تضم وجهات النظر المتناقضة بنفَسٍ واحد. وبمجرد إضافته لبضع كلمات لا يعود الكلام ساذجا سطحيا. الحاشية تبدو على السطح مضحكة. ولكن بالنسبة للذين يتوجب عليهم العيش داخلها من حاشية وخدم يكسبون رزقهم منها فالأمر ليس مضحكا. إنه عالم خنازير، ولكي تتمكن من العيش فيه عليك بأن تصير خنزيراً، شيطاناً- مثل الظل في حكايته الخرافية، التي يدور موضوعها بشكل مباشر حول الشيطنة أو الشر. في " راعي الخنازير" يلعب الأمير دوراً إيجابيا وسلبيا ولكنه يبقى أميراً.
والفن في حكايات أندرسن الخرافية لا يكمن فقط في الوشج البارع في المحتوى. كل قصّ هو عبارة عن سلسلة من المراحل التي يجب أن تنجز، هو سياق مجرى ما في وقت معين. الموضوعات والأحداث تتموضع في داخل هذا السياق، فتجعل هذه المواقع القصَّ واضحا بشكل خاص وفاتن: هذه العلاقة ما نطلق عليها بـ بناء النص من السهل مثلا في " راعي الخنازير" لمس تراكيب وبناء النص .
في " الظل" (1846) توزعت الأقطاب بين طالب العلم الذي ينسحق ويموت والظل الذي يكسب العالم لا يكسب نفسه- مثل أندرسن. - الأميرة في " راعي الخنازير" كانت وستظل خنزيرة صغيرة، أما "الظل" فلديه سيدتان راقيتان، إلهة الشعر بعينها- وأميرة شيطانية قادرة على الزواج دون إشكال من ظل.
مقدرتهما المشتركة هي سبر غور البيئة المحيطة بهما ورؤية الشر خلف كل شيء، حتى لدى الأطفال. ولكنهما بالمقابل لا يريان شيئا غير ذلك. الرجل طالب العلم الذي سيقتلانه هو ليس مجرد ضحية بريئة: إنه يعرف الكثير، ولكنه يفهم القليل جدا. – في " راعي الخنازير" يتضامن القص مع الأمير ويقع كل اللوم والذنب على الأميرة؛ وفي النهاية تُطرَد هي من قبل كلٍّ من مملكتي القيصر والأمير. في " الظل" بالمقابل فلم يملك أحد الحق في شيء. هنا ليس غير متناقضات لا توافق بينها. بين القصتين هناك زمن أمده عشر سنوات من عمل الكاتب.
خطوة على الطريق نجدها في " الراعية ومنظف المداخن"، وعلى مستوى أعلى في حكاية " العندليب" وهي الجواب أو الصنو الإيجابي لـ " الظل". في الحكايات الخرافية التي جاءت من قبل نجد القوة الإيجابية مرتبطة بالمرأة، ولذا فقد كان من غير الممكن تقريباً تحرير قوة إيجابية، لأن المرأة مقيدة بالسلبي: الجنس، الإقتصاد، الفارق الطبقي- ولكن في " العندليب" تتحرر القوة الإيجابية من المرأة وتُصوَّر بشكل تجريدي، ألا وهي العندليب نفسه.
في " الراعية ومنظف المداخن" (1845) لم يكن التفريق بعد، ولكن الموقف والرأي قد تغير. الراوي يسيطر على القص ويتمكن من ذلك لأن اللعب كان بين أشياء لا بشر. أشياء استخدمت لخصائصها المعينة لا غير، بما له علاقة بمجرى الحكاية فقط. التمثالان من الخزف الصيني هما اصطناعيان. ولكي يكونا حقيقيين عليهما الهروب من هذا العالم المحافظ البرجوازي إلى اعلى عبر المدخنة. منظف المداخن كان لديه الشجاعة والسلّم، وكأنه خلق لرحلة الإستكشاف في العالم الفسيح. ولكنهما عندما نظرا من على السطح في الأعلى فقدت الراعية شجاعتها. يعودان رغم " إن ذلك كان حماقةً" كما يقول الكاتب. الشخوص في الحكاية هم لعب اطفال وتحف خزفية صغيرة للزينة واندرسن عندما يستخدمهم فذلك لكي يوجه نقدا شديدا إلى شروط ذاك العالم المحافظ. ولكي نرى ذلك بشكل واضح علينا ان نبحث في تفاصيل نص الحكاية؛ يمكن قراءة المزيد عن ذلك في الدراسة التحليلية " الخروج إلى العالم الفسيح".
عندما ينجح أندرسن بفضح ميكانيكية هذا العالم، فذلك يعود إلى كونه هو بنفسه قد عجز عن الخروج من هذه العجلة. فلكي يمكن للحب من أن يكون واقعياً بمستوى برجوازي جيد كان على أندرسن أن يجني المال من عمله ككاتب، وهذا يتطلب منه الإلهام، وحياة عاطفية لم يكن بمقدوره توفيرها وعيشها لأنه لم يتدبر أمره اقتصادياً بعد ... وهكذا.
المشاعر صارت شيطانية تنقل بلا خيار إلى مكانات اخرى. ولكن لما كان الراوي في قصة " الراعية ومنظف المداخن" متسامحاً مع المرأة، أكثر منه في قصة " راعي الخنازير" فهذا يعود إلى مقدار تعمقه في الحياة والذي كان " العندليب" شاهداً على ذلك. في العندليب قد تم تحرر الإلهام، قل التأزم الذي كان في داخل أندرسن بما له علاقة بالجنس والمرأة- مصدر الإلهام لم يكن الوضع الإقتصادي والجنس.
وفي " الناقوس" حزيران 1845 ما زعمه الكاتب كان بأن الفارق الطبقي لا يمكن أن يكون العائق المطلق في طريق الوصول إلى أهم حكمة في فهم الحياة. ولكن وبعد عام سنرى في الحكاية الخرافية " الظل" بأن كل المشاكل تعود مجددا بشكل أقوى ولكن بتنويع أرقى إلى حد بعيد.