HCA - Den lille Havfrue på arabisk


حورية البحر الصغيرة

بعيداً في عمق البحر يكون لونُ الماءِ بزرقة أزهارالقنطريون الجميلة، نقيا كأصفى زجاج، ولكنه عميق جدا، أعمقُ من أن يصلَ أيُّ حبلِ مرساةٍ إلى قاعِهِ. يلزم العديد والعديد من أبراج الكنائس، الواحد فوق الآخر كي تنوشَ القاع إلى ما فوق سطح البحر. هناك يعيش بنو البحر.
من الخطأ أن نعتقدَ بأن ما هناك هو مجرد قاع رملي أبيض عارٍ. لا، فهناك في الأسفل تنمو أعجب الأشجار والنباتات ذات السيقان والأوراق الطيِّعة التي تجعلُها تهتز لأقل حركة للماء وكأنها حيةٌ، تنسلُّ بين أغصانها كلُّ الأسماك الصغيرة منها والكبيرة كما الطيور عندنا في الأعلى.
أما قصرُ ملكِ البحار فيقع في أكثر الأمكنةِ عمقا. جدرانُه من المرجان و نوافذه المدببة النهايات مصنوعةٌ من أصفى كهرب، أما السقف فهو من صدَفِ المحار الذي ينفتح وينغلق حسب وجهةِ جريان الماء، وتلك المحارات الجميلة جدا احتوتْ كل منها لآلئ رائعة، واحدةٌ منها ستزين متلألئةًًً تاج الملكة.
ملكُ البحار عازبٌ منذ سنين عديدة و قد اعتنتْ أمه العجوز ببيته. هي إمرأة مدّبرة حكيمة، فخورةٌ بأصلِها أيضا، لذا تراها تسير باثنتني عشرةَ صَدَفَةً في ذيلِها، أما النبيلاتُ الأخرياتُ فلهن الحق في أن يضعْنَ ست صدفات فقط. غير ذلك فالأم تستحق الكثير من الثناء بالأخص لحبها الكبير لأميرات البحر الصغيرات، بنات أولادها. كنَّ ستَ بناتٍ جميلات، أصغرهن هي الأجمل من بينهن، بشرتها صافية رقيقة كورق الورد، عيناها زرقاوان كأعمق بحر ولكنها كالأخريات كانت بلا قدمين، فجسدُها ينتهي بذيلِ سمكة.
الأميرات كنَّ يلعبن طوال اليوم في القصر عند قاع البحر،بين باحاتِه الكبيرة التي نمتْ الزهور الحية في جدرانِها. وحالما تنفتح نوافذ الكهرب الشفاف الواسعة تدخل الأسماك إليهِن، تماما كما اعتادتْ السنونواتُ عندنا أن تطيرَ إلى الداخل عندما نفتحُ النوافذ لها. الأسماك كانت تسبح مباشرة إلى الأميرات الصغيرات لتأكل من أيديهِن ويطبطبن عليها.
تحيطُ بالقصر حديقةٌ كبيرةٌ فيها أشجار بلون أحمر جَمْري وأزرق غامق، الفاكهة فيها تشعّ كالذهب، والزهور تبدو كنار مشتعلة بسيقانها وأوراقها ذات الحركة الدائمة. أما الأرض فمن أَنعَمِ الرِمال، ذاتُ لون أزرقٍ كشعلة كبريت. أعلى كل ذلك كانت هناك ظلالٌ زُرق تجعل المرء يظن بأنه متأرجحٌ في الهواء، لا يرى غير السماء فوقه وتحته وليسَ في قاع البحر. وعندما يسكُنُ البحر تماما تبدو الشمسُ وكأنها زهرةٌ قرمزيةٌ يشعّ كل الضوء من كأسِها.
لكل أميرة من الأميرات الصغيرات مساحةٌ من الحديقة، تقلبها وتزرعها كما تشاء، واحدة منهن أعطتْ لحوض الزهور شكل الحوت، وثانيةٌ كانت تفضِّل بأن تشبه حديقتُها حوريةَ بحرٍ صغيرةً، وأصغرهن جعلتها دائريةً تماما كقرص الشمس، لم يكن فيها غير أزهار شعّتْ كإحمرار الشمس. كانت هذه طفلةً عجيبةً، هادئةً متأملةً، فبينما تزَيَنتْ الأخريات بما حصلن عليه من أشياء مبهرة من السفن الغارقة، لمْ تشأ الحوريةُ أن تأخذََ إلا الزهورَ الورديةَ التي تشبهُ الشمسَ هناك أعلى سطح البحر ونحتاً مرمرياً لشابٍ جميل من الصخر الأبيض الصقيل استقرَّ في قاع البحر بعد غرق السفينة. زَرعتْ عنده صفصافةً ورديةً، نمت بانتعاش و تسلقتْ أغصانُها الحيوية أعلى الشاب المرمري ومن ثم نزلت تجاه القاع الرملي الأزرق، حيث يظهر الظل بنفسجيا متحركا كما الأغصان. بدا المنظر وكأن أطراف الأغصان والجذور لعِبا لعبةَ تقبيلِ بعضهما.
لم تكن هناك فرحةٌ أكبر لدى الحورية الصغيرة من أن تسمعَ عن عالم الإنسان فوق في الأعلى هنا. كان على جدتِها العجوزِ أن تقصَّ لها كل ما تعرفِه عن السفن، المدن، الناس والحيوانات. والذي كان يعجبها على الأخص هو إن الأزهار هنا فوق على الأرض لها عِطر، وهذا ما لم يكن للأزهار في قاع البحر، وبأن الغاباتِ كانت خضراءَ وبأن الأسماك التي تُرى بين الأغصان كانت تغني عاليا بعذوبةٍ تطربُ السمع. كانت تلك هي العصافير التي أطلقت الجدة عليها أسماكا وإلا فسيكون من الصعب عليهن فهمُها، حيث الحوريات لم يرينَ طيرا من قبل.

" عندما تُكملن السنة الخمس عشرة"، قالت الجدة،" سيسمح لكنّ بأن تطفينَ فوق البحر، تجلسْن على الصخور تحت ضوء القمر وتتأملن السفن الكبيرةَ التي تمر مبحرة، ستريْن الغابات والمدن!"
في العام الذي هلَّ أكملت فيه إحدى الأخوات الخامسة عشرة من عمرها، أما الأخريات و يا للأسفِ فقد كانت الواحدة منهن تصغرُ الأخرى بعام، ومازال أمام أصغرهِن خمس سنوات كي تتجرأَ وتصعدَ من قاع البحر لترى كيف يبدو كلُّ شيء من هنا حيث نحن. ولكن إحداهُن وعدتْ الأخرى بأن تقصَّ ما تراه في اليوم الأول وما تظنه جميلا، فجدتهن لم تخبرهن بما يكفي، كان هناك الكثير الذي يجب أن يعرفْن عنه.
لم يكن أحدٌ بذلك الشوق الكبير كما كانت أصغرهُن، هي بالتحديد من ستنتظر زمنا طويلا. كانت هادئة جدا و حالمة. في العديد من الليالي وقفتْ عند النافذة المفتوحة تنظر عاليا عبر الماء النيلي، حيث الأسماك تضربُ بزعانفها وأذيالها. وقد تمكنت من رؤية القمر والنجوم، رغم أن لمعانَهما كان خفيفا واهيا، و لكن عبر الماء بدتْ أكبرَ بكثير مما نراه بأعيننا. وإن انزلقتْ ما يشبه السحابة السوداء تحتها، أدركتْ حينها بأن حوتا يسبح فوقها، أو لعلها سفينةٌ بأناس كثر. لا أعتقد بأنهم فكروا بأن حوريةً صغيرة جميلة عامتْ أسفل السفينة ومدّت يديها البيضاويتين تجاه صالب القاعدة.

وأكملتْ كبرى الأميرات الخامسة عشر عاما فتجرأتْ وصعدتْ فوق سطح البحر.
وعندما رجعتْ كان عندها الكثيرُ الذي تخبرُهن عنه، ولكن أجمل ما كان كما قالت لهن هو الإستلقاءُ فوق تلّةٍ رملية تحتَ ضوء القمر حين يكون البحرُ هادئا وتأملُ البلدةِ الكبيرة عند الشاطيء بأضوائها المتلألئةِ كمئاتِ النجوم، وسماعُ الموسيقى والصخبِ والضجيجِ من العربات و البشر، ورؤيةُ أبراج الكنائس وقممِها، وسماعُ نغمِ أجراسها عندما تدق. و لأن الحوريةَ الصغيرة لا تتمكن من الوصول تحديداً إلى هناك شعرتْ بشوق إلى كل تلك الأشياء قبل كل شيء.
ولَكَم كانت الأخت الصغرى منصتةً حينها. وأخذتْ إثرها تقفُ كل مساءٍ عند النافذة المفتوحة تنظر عاليا عبر الماء النيلي وتفكر في البلدة الكبيرة بصخبها وضجيجها، بل ظنت حينئذ بأنها كانت تسمع أجراس الكنيسة وهي تدقّ لها.
في العام الذي تلاه سُمِحَ للأخت الثانية بأن تصعدَ للأعلى وتسبحَ حيث تشاء. عامتْ إلى فوق حيث الشمس تغرب وقد وجدتْ في ذلك أبدعَ منظرٍ. السماء بأكملِها بدتْ وكأنها قطعةٌ من ذهبٍ، كما قالت، أما جمال الغيوم فلم يكن من السهل عليها وصفُه، الأحمرُ والبنفسجي أبحرا فوقها، ولكن الأسرع منها كان سربٌ من البجع البري طار كوشاحٍ أبيض طويل فوق الماء حيث الشمس. عامتْ الحوريةُ تجاه الشمس التي غرقتْ فانطفأ الانعكاس الأحمرُ المشوبُ بالوردي على سطح البحر والغيوم.
في السنة الثانية صعدت الأخت الثالثة إلى أعلى. كانت الأكثرَ جسارةً وجرأةً بينهم لذلك فقد عامت في نهرٍ عريض كان يصب في البحر. عندها رأتْ هضابا خضراء جميلةً بكروم عنب، وقد لاحت قصورٌ ومزارعُ بين الغابات الخلابة. وسمعتْ الطيور كيف تغني وأحست بحرارة الشمس الساطعة فكان عليها الغطُّ في الماء مراراً لتبِّرد وجهَها المحروقَ بحرارة الشمس.
في خليج صغير التقت بمجموعة كبيرة من البشر الصغار، عراةٍ تماما، تراكضوا في ماء البحر الضحل وطرطشوا فيه. ودّتْ أن تلعبَ معهم ولكنهم فرّوا هلعا منها. وهناك جاء حيوان صغير أسود وقد كان كلبا، ولكنها لم تر كلبا في حياتِها من قبل، نبح عليها بشراسة فخافت منه ولجأت إلى البحر المفتوح. لم تنس إطلاقا الغابة الخلابةَ، الهضاب الخضراء والأطفال الحلوين الذين كانوا يعومون فوق الماء رُغم انهم لم يملكوا ذيل سمكة.
أما الأخت الرابعة لم تكن جريئة جدا. لم تتعدَ في عومِها المنطقة منتصف البحر الواسع العميق. أخبرتهُن بأن ذلك هو ما كان الأجمل بالنسبة لها، يرى المرء كل شيء ولمسافة عدةِ أميال من حوله، والسماء فوقُه تبدو وكأنها جرسٌ زجاجي كبير. وقد رأتْ سفنا أيضا وكأنها نوارس الشواطيء، وقد تشقلبتْ على مبعدة منها الدلافين الخفيفة الظل في الماء، أما الحيتان فنفخَت الماء عاليا من مناخيرها فكان المنظرُ وكأن مئاتٍ من النافوراتِ انتشرتْ من حولها.
وجاء دور الأخت الخامسة التي تصادفَ عيد ميلادها في الشتاء ولذلك فقد رأتْ ما لم تره الأخريات لأول مرة. البحيرة اكتستْ باللون الأخضر، و عامتْ جبالُ الثلج الكبيرة هنا وهناك وقد بدا كل جبلٍ كلؤلؤةٍ، أكبر بكثير من أبراج الكنيسة التي بناها البشر، و برزتْ كـماسات بأشكال عجيبة تسلبُ العقل، كما قالت لهنَّ. واستلقتْ بعدها على واحد من أكبر تلك الجبال وقد تركتْ للريح أن تلاعبَ شعرَها الطويل. كل البحارة الذين مروا، تجنبوا المكان الذي جلستْ فيه خائفين. وفي آخر المساء تلبدتْ السماء بالغيوم، أبرقتْ وأرعدتْ بينما رفعَ البحرُ الأسود الكتلَ الثلجية الضخمة عاليا مما جعلها تسطع تحت البرق الأحمر. كل السفن أنزلت أشرعتَها. عمَّ خوفٌ ورعب، ولكن الحورية جلست هادئةً على جبلها الثلجي العائم تنظر إلى الشعاع الأزرق البراق يتعرج على سطح البحر اللامع.
الأخوات كن يسررن دوما لما تشاهدُه إحداهُن من أشياء جديدة وجميلة في المرة الأولى التي تصعد فيها إلى فوق سطح البحر، ولكن وبما إنهن قد نضجْن كفتيات وسُمِحَ لهنَّ بأن يصعدْن إلى فوق متى شئن صار الأمر بالنسبة إليهن غير ذي شأنٍ، كان يتملكهن الحنين مرة ثانية إلى البيت، وبعد مرور شهر يقلْنَ بأن القاعَ هناك هو الأجملُ، حيث يشعرُ المرءُ بأمان في بيته.
غالبا وفي فترات المساء تمسكُ الأخواتُ الخمسة بأذرع بعضهِن ويصعدن فوق إلى السطح، الواحدةُ تلو الأخرى، كانت لديهن أصواتٌ أجملَ من أي بشر. وعندما تهبُّ العاصفةُ ويشعرن بأن سفينةً ما ستغرقُ يسبحن أمامَها، يتغنين بجمال البحر عند القاع، ويرجينَ البحارة ألا يخشوا الوصول إلى الأسفل، ولكن البحارةَ لا يفهمون الكلمات، يعتقدون بأنها أصواتُ العاصفةِ، كما أنهم لن يرَوا الجمال في الأسفل إذ عندما تغرق السفينة يغرقُ معها الناس و لا يصلون إلا ميتين إلى قصر ملك البحار.
وعندما تصعدُ الأخوات يدا بيد إلى السطح عبر البحر، تبقى الصغرى وحدَها تنظر إليهن وهن يصعدنَ، وكأنها على وشك البكاء، والحورية ليس لها دمعٌ لذا فمعاناتُها أكبر.
قالتْ الصغرى " آه لو أبلغُ الخمسة عشر عاما! أعلم بأنني سأهيمُ لا محالة بالعالم فوق هناك وبالناس الذين يعيشونَ في الأعلى".
وأخيرا بَلغتْ الحوريةُ تلك الخمس عشرةَ سنة. وقالت الملكة الثكلى العجوز " ها قد خلصنا منكِ الآن! تعالي، دعيني أُزينُكِ كما زينتُ أخواتك الأخريات!" ووضعتْ على شعرها إكليلا من السوسن الأبيض، كل ورقةٍ في الزهرة كانت نصف لؤلؤة. وقد أمرتْ العجوز بتثبيت ثمانِ محاراتٍ كبيرة في ذيل الحورية الصغيرة لتبيِّن منزلتها العالية.
قالت الحورية الصغيرة " إن هذه الزينةَ توخِزُ رأسي!"
فأجابت العجوز" من أراد حلوا صبر على مُرّه!"
أووف! رددت الحورية وتمنتْ لو تنفض عنها كلَّ تلك الزينةِ وتنزعُ هذا الإكليلَ الثقيلَ. إن ورودَها الحُمرَ في الحديقة تناسبُها أفضل بكثير، ولكنها الآن لم تجرؤ أن تغير الأمور.
" مع السلامة!" لوَّحت بيدها وهي تصعد إلى الأعلى بخفةٍ وتأهب كفقاعة خلال الماء. كانت الشمس قد غابتْ للتو عندما رفعتْ الحورية رأسَها عاليا فوق سطح الماء، ولكن الغيومَ كانت ما تزالُ تسطعُ بألوان الورد الجوري والذهب، وقد شَعَّتْ في منتصف هذا الفضاء الأحمر الشاحب نجمةُ المساء بصفاءٍ وألقٍ، حيث الهواءُ رقيق نقي والبحرُ ساكن. وهناك وقفتْ سفينة كبيرة بثلاثة صوارٍ، لم يُرفَع فيها سوى شراعٍ واحدٍ فلم تكن هناك حركةٌ للريح، وقد تسلقَ الملاحون الصواري، وجلسوا هنا وهناك بين الحبال والعوارض أعلى الصواري. كان هناك عزفُ موسيقى وغناء. عند حلولِ المساءِ أوقِدَتْ مئات الفوانيس الملونة. بدا وكأن أعلامَ البلدانِ جميعا خفقتْ في الهواء. سبحتْ الحوريةُ الصغيرة بالقرب من نافذةِ إحدى كابينات السفينة، وكلما رفعَها الماء في الهواء تمكنتْ من رؤية ما في الداخل عبرَ زجاجِ النوافذ الصافية كمرآة. كان هناك الكثير من الناس بكامل زينتهم، ولكن الأجمل كان ولا شك هو الأميرُ الشاب ذو العينين السوداوين، لم يكن عمره يتجاوز الـ 16 عاما. والمناسبة هي عيدُ ميلاده، لذا وُضِعَتْ كلُّ هذه الزينة. رقصَ الملاحون على ظهر السفينة وحالما برزَ الأمير على ظهر السفينة انطلق أكثر من مئة صاروخ من الألعاب النارية عاليا في الهواء. أضاءتْ الصواريخُ السماء وكأنه يومُ صحوٍ. ذلك ما أفزعَ الحورية الصغيرة فغطّتْ إلى الأسفل تحت الماء، ولكنها عاودتْ ومدت رأسَها فوق السطح ثانية. حينها وكأن نجومَ السماء بأجمعها قد تساقطت عندها. لم تر في حياتها هكذا فنون نار، شموسٌ كبيرة دارتْ حول نفسِها، سمكٌ من نار يُبهرُ النظرَ حلّقَ تحت السماء الزرقاء الصافية، كل شيء تلألأ منعكسا فوق سطح البحر الساكن. على سطح السفينة نفسِها كان كلُّ شيءٍ مضاءً، فيمكن للمرء أن يرى حتى الحبال الصغيرة، ومن السهل رؤية البشر. يا إلهي كم هو جميل هذا الأمير الشاب وهو يصافحُ أيادي الناس، يضحكُ ويبتسمُ، مع تهادي أنغامِ الموسيقى في ذلك المساء الجميل.
تأخرَ الوقتُ ولكن الحوريةَ الصغيرةَ لم تستطع أن تحركَ عينيها بعيدا عن السفينة وعن الأمير الوسيم. أُطفِئَتْ الفوانيسُ الملونةُ ولم يُطلَقُ المزيد من الصواريخ عاليا في الهواء، ولم تعدْ تُسْمَعُ هناك ضربات مدفع، ولكن عميقا في غور البحر كان هناك أصواتُ دويٍّ وأزيز. وهي جالسة خلال ذلك على سطح الماء تتأرجحُ صعودا وهبوطا كي تتمكنَ من رؤيةِ ما في داخل الكابينة. ولكن السفينةَ أبحرتْ بسرعة أكبر، وقد نُشرَ الشراع بعد الآخر. الأمواجُ تتلاطمُ بقوةٍ، وتتكاثف غيومٌ كبيرةٌ والسماء تبرُقُ في البعيد. رباه، سيكون جوا عاصفا مخيفا! لذا فقد أنزلَ الملاحون الأشرعة. وتأرجحتْ السفينة الضخمة بسرعة طيارة في البحر الهائج، وعلا الماءُ كجبالٍ سود عالية انهارتْ على الصاري، ولكن السفينة غطتْ في الأسفل كبجعة بين الأمواج العالية وطفتْ ثانية فوق المياه المتلاطمة. رأتْ حورية البحر في ذلك مرحا ولهوا، بينما رأى الملاحون العكس، فالسفينة تصرُّ وتُدوّي والألواح السميكة تتقوسُ جراء ارتطام موج البحر القوي بها. انكسرَ الصاري في منتصفه وكأنه قصبةٌ، وقد مالتْ السفينة إلى الجانب بينما تسرب الماء إلى الداخل. وقد رأتْ الحورية الآن بأنهم في خطر، وعليها الحذر من الطوافات وكتل السفينة التي انجرفت في الماء. وللحظة عمَّ ظلامٌ حالك فلم تستطع رؤية شيء إطلاقا ولكن عندما أبرقتْ السماء صار كل شيء شديدَ الوضوح مرةً أخرى، حتى انها تعرفت على الملاحين جميعا. كل واحدٍ منهم حاولَ التشبثَ قدر المستطاع. و راحت هي تبحثُ بالذات عن الأمير الشاب وقد رأتْه عندما انفصلت السفينة وغرقت في قاع البحر العميق. تملكها الفرح، لأنه الآن سينزلُ إليها في الأسفل، ولكنها تذكرت بأن البشر لا يمكنهم العيشَ في الماء وبأنه لن يأتي إلى قصر والدها إلا ميتا. لا، لا يجب أن يموتَ، لذا سبحت بين الألواح و الطوافات التي انسابتْ في البحر ونستْ تماما بأن ذلك كان من الممكن أن يسحقَها. غطستْ عميقا تحت الماء وصعدتْ ثانية بين الأمواج ووصلت حيث الأميرُ الشابُ الذي لم يعد بمقدوره العوم في البحر العاصف. لقد وهنتْ ذراعاه وساقاه والعينان الجميلتان انطفأتا. لو لم تصلْ حوريةُ البحر إليه لكان قد مات. أمسكتْ برأسه فوق الماء وتركت للموج يجرفُها معه أينما شاء. في الصباح لم يعدْ الجو عاتيا عاصفا، لكن لم يتبقَ من السفينة حتى نشارةِ خشب، بينما ارتفعت الشمس شديدة الحمرة وأشرقتْ فوق سطح الماء. وكأن الحياةَ إثرَها عادتْ إلى خَدَي الأمير. ولكن عينيهِ ظلتا مطبقتين. قبلّتْ الحورية جبهتَه العالية البهية وسرّحت خِصلاتِ شعره المبللة إلى الوراء. كان يشبه التمثالَ المرمري في حديقتها الصغيرة في القاع. قبّلته مرة أخرى وتمنت بحرقة أن يعيش.
رأتْ الحورية اليابسةَ أمامَها، جبالا زرقا عالية وقد لَمَعَ الثلجُ على قممها وكأن سربا من البجع قد جثم فوقها. عند الشاطيء تمتدُ غابةٌ خضراءُ خلابةٌ، تقع في مقدمتها كنيسةٌ أو ديرٌ، فهي لم تكن متأكدةً من ذلك ولكنها كانت بنايةً على أية حال، نمتْ أشجار الليمون والبرتقال في حديقتها، أما أمام البوابة فقد كانت هناك أشجارُ نخيلٍ عالية. والبحر كان قد حفر خليجا صغيرا في هذه البقعةِ من اليابسة التي أطبق السكون عليها، وقد امتد الخليج عميقا جدا حتى الصخور حيث الرمل الأبيض الناعم المغسول. لقد عامت بالأمير الوسيم إلى هناك. وتركتْه مستلقياً على الرمل، وحرصتْ على أن يكونَ رأسُه بالأخص مرتفعا تحت أشعة الشمس الحارة.
دقت الأجراسُ في البناية البيضاء الكبيرة وقد وصلَ العديد من البنات الشابات إلى الحديقة. حينها عامتْ الحوريةُ الصغيرة بعيدا قليلا خلف بضعِ صخورٍ عاليةٍ برزت من الماء. غطّت شعرَها وصدرها برغوة البحر كي لا يرى أحدٌ وجهَها الصغير وأخذتْ ترصدُ من مكانها عمن سيأتي للأمير المسكين.
لم يمض الكثير من الوقت حتى مرتْ فتاةٌ شابةٌ من هناك والتي أصابها فزعٌ شديد لمرأى الأمير ولكن للوهلةِ الأولى فقط، إذ راحت لتعود ثانية مع مجموعة من البشر. تأكدت الحورية بأن الحياة قد عادت إلى الأمير وكان يبتسم لمن حوله، ولكن ليس لها. إنه لم يعلم كذلك بأنها هي التي أنقذته. تأثرت كثيرا لذلك، وعندما أخذوه إلى داخل البناية غطستْ ملأى بالحزن تحت الماء لاجئةً إلى قصر أبيها.
كانت الحورية دائما هادئةً وحالمةً، ولكنها صارت الآن أكثر هدوءً ورويةً. وقد سألتها أخواتها عما رأتْه لأولِ مرة فوق على السطح الماء ولكنها لم تتحدث عن شيء.
في الكثير من الليالي و النهارات تصعد إلى فوق حيث تركت الأمير. ترى فاكهة الحديقة وقد نضجت وقُطِفَت، ترى الجبال العالية وقد ذاب الثلج على قممها أما الأمير فلم تره، لذلك كانت تعود دائما إلى البيت أكثر كدرا. فعزاؤها الأكبر هو أن تجلس في حديقتها الصغيرة، تحضن بذراعيها التمثالَ المرمريَ الذي يشبه الأمير. لم تكن تعتني بزهورها التي قد نمتْ خارجا فوق الممرات وكأنها في غابة، اشتبكتْ سيقانُها الطويلة وأوراقها بأغصان الأشجار بحيث صار المكان حالك الظلمة.
وأخيرا لم يكن بمقدورها تحمُّل الأمر فأخبرت إحدى أخواتها بذلك، ولكن الباقيات سرعان ما علمْن بالأمر، بالإضافة إلى بعض الحوريات الأخريات اللواتي لم يخبرن أحدا غير صديقاتِهِن الحميمات فقط. فإحداهن كانت تعلمُ مَنْ يكون هذا الأمير، وقد رأت الزينة التي عُلِّقت فوق السفينة وتعلم من أين جاء وأين تقع مملكته.
" تعالي يا عزيزتي!" قالت الأميرات الأخريات لها وهنَّ صاعداتٌ في صف طويل إلى أعلى واضعاتٌ أذرعَهُن على أكتاف بعضهن وقد ظهرن فوق سطح الماء أمام مكان قصر الأمير.
القصر قد بُني من حجر بلون أصفر فاتح ذي بريق بارد، بسلالم من المرمر، ينـزل إحداها مباشرةً إلى البحر. وقد ارتفعتْ قبب مذهّبة فخمةٌ فوق السقف وعُلِّقَت لوحات من المرمر بين الأعمدة التي كانت تحيط بالمبنى كلِّه والتي بدتْ وكأنها حيةٌ. ويرى المرء من خلال الزجاج الصافي للنوافذ العاليةِ ما في داخل تلك الصالات الفخمة، الستائرَ الحرير الثمينة والسجادَ المعلق والجدرانَ التي زينتْ بلوحاتٍ ضخمةٍ تسرُّ الناظر. وفي منتصف أكبر الصالات كانت هناك نافورةٌ كبيرة يطرطش الماء فيها، تصعد أشعتُها عاليا حيث القبة الزجاجية في السقف والتي شعّت الشمس من خلالها على الماء وعلى النباتات النضِرة التي نمَت في حوض الماء الكبير.
بعد أن تعرّفت الحوريةُ الصغيرة على مكان سكنِه أخذَت تصعدُ في العديدِ من المساءات والليالي فوق سطح الماء. أخذت تعومُ قريبا جدا من البر أكثر مما تجرأت إحداهن في يوم على ذلك. ودخلتْ بالفعل في ذلك الممر الضيق تحت الشرفة المرمرية التي ألقت بظلالٍ طويلة فوق الماء. هناك جلست تنظر إلى الأمير الذي ظنَّ بأنه وحيد هناك تحت ضوء القمر اللامع.
لقد رأتْه مِرارا وهو يُبحِرُ مساءً مع فرقة موسيقيةٍ في قاربه الفخم وأعلامِه المرفرفة؛ وهي إن برزت من بين القصب الأخضر و أخذت الريح بين زعانفِها البيض الفضية الطويلة لظنَّها المرء بَجَعةًً قد شَرعَّتْ جناحيها.
في العديد من الليالي كانت تنصتُ إلى الصيادين في طلعات الصيد ليلا مع فوانيسهم عندما يأتون على ذكرِه، كانوا يذكرون كل ما هو حسَنٌ عن ذلك الأمير الشاب. أسعدها بأنها هي التي أنقذتْ حياته عندما جرَفَه الموج نصف ميتٍ. تذكرتْ كيف استراح رأسه ملتصقا بصدرها، وكم كان عميقا ذلك الإحساس عندما قبّلته. لكنه لم يعرف شيئا عن ذلك إطلاقا و لا حتى أنْ يحلُمَ بها.
هامتْ بالبشر أكثرَ فأكثر، تمنتْ لو تصعدُ للأعلى وتكون بينهم. بدا لها بأن عالمَهم أكبرُ من عالمها، بإمكانهم الطيران في السفينة فوق البحر، وركوب الجبال العالية فوق الغيوم، والأراضي التي يملكون تمتد غاباتٍ وحقولا أبعد من رؤيةِ عينيها.
كان هناك الكثير الذي ودّت أن تتعرف عليه ولكن اخواتِها لم يكن بمقدورهن الإجابةُ على كل شيء. لذا فقد سألتْ الجدة العجوز التي خبرتْ جيدا هذا العالم العلوي، والذي كانت على حق عندما أطلقتْ عليه بلاد ما فوق البحار.
سألت حوريةُ البحر الصغيرة " عندما لا يغرق البشر هل بإمكانهم العيش أبدا، ألا يموتون كما نموت نحن هنا في الأسفل؟
أجابت العجوز، " أجل أجل، هم يموتون أيضا، بل إن فترةَ حياتهِم أقصرُ من فترتنا. يمكننا أن نعمِّرَ لثلاثمائة عام ولكننا عندما نموت هنا نتحولُ إلى زَبَدٍ فقط فوق سطح الماء. بل لا نملكُ حتى قبرا بين أحبائِنا في القاع. ولا خلودَ لأرواحنا، ولا حياةَ لنا بعد ذلك، نحن كالقصبِ الأخضر، عندما يُقصُّ مرةً لا يمكنه أن يخضرَّ ثانية! بينما الناسُ لهم روحٌ خالدةٌ، تبقى حتى بعد أن يتحولَ الجسد إلى تراب، الروحُ تصعدُ عبر الهواء الصافي فوق إلى كل النجوم اللامعة! وكما نغطسُ نحن إلى فوق سطحِ البحر ونرى البشر، يغطسون هم إلى أعلى، إلى أماكن ساحرة مجهولة، أماكن لا يمكننا أبدا رؤيتَها.
سألتْ الحورية حزينة " لِمَ لا نملك روحا خالدةً؟ أنا مستعدة لأن أهبَ كل الثلاثمائة سنة التي لدي لأحيا من أجل يوم واحد فقط أعيشُه مثل البشر ولكي أحصلَ بعدها على جزء من العالم السماوي!"
فقالت لها الجدة العجوز، " لا يجبُ عليك أن تفكري هكذا، نحن أسعدُ من البشر في الأعلى كثيرا!"
" لمَ لا، فأنا سأموت وأطفو كالزبَدِ فوق سطح البحر، هنا لا أسمع موسيقى الأمواج، ولا أرى الزهور الجميلة والشمس الحمراء! ألا يمكنني فعلَ أيِّ شيءٍ من أجل الفوز بروح خالدة!" سألت الحورية الصغيرة.
أجابتها الجدة، " لا، إلا إذا أحبّكِ بشرٌ وكنتِ بالنسبة إليه أكثرَ من أبيه وأمه. عندما يكون بكل عقله وقلبه متعلقاً بكِ، و عند الزواج يَدَعُ القس أن يضعَ يدَهُ اليمنى في يدِك ويقسمُ بأن يكون مخلصا لكِ مدى الدهر، حينها تنتقلُ روحُه إلى جسدك فتحصلين أنتِ أيضا على جزءٍ من سعادة البشر، سيعطيك روحا كما ستبقى روحه له. ولكن هذا لا يمكن أن يحصل و ذيل السمكة الذي تملكين، و إذا كان الذيل بنظرنا في غاية الجمال هنا في البحر، ففي نظرِ من هم على الأرض في غاية القبح والبشاعة. هم ليس لديهم فَهْمٌ في ذلك، على المرء هناك أن يملك دعامتين متلبكتين يطلقون عليها ساقين لتبديا جميلتين.
حينها تنهدتْ الحورية الصغيرة ونظرتْ بحزن إلى ذيلها.
" هيا لنرفه عن أنفسنا في الثلاثمائة عام التي لدينا لنعيش، إنها كما يقال وقتٌ لا بأس به، فبعدها يشبع المرء نوما في قبره، سنقيم هذا المساء حفلا ملكيا.
وكان الإحتفال بالفعل روعة لا يمكن للمرء تخيلُها على الأرض. الجدران والسقوف كانت من الزجاج السميك النقي في بهو الرقص. مئات من المحار العملاق، الأحمر الجوري والأخضر الحشيشي انتظمتْ في صفين على الجانبين وسطَ نار مشتعلة زرقاء أضاءت البهو بأجمعه، وشعّت من خلال الجدران فشعَّ البحر في الخارج بأكمله كذلك. يمكن للمرء أن يرى كل تلك الأسماك التي لا تُعَدّ، الصغيرة منها والكبيرة وقد سبحتْ تجاه الجدار الزجاجي، لمعتْ أصداف كثيرة، بعض منها بلونٍ إرجواني محمرّ، وبعضها الآخر كان فضيا و ذهبيا. وقد انسابَ الماء منتصف البهو بمجرى عريض، رقصَ فوق سطحه رجال البحر والحوريات على أنغام أغانيهم الرائعة. لا يمكن للبشر فوق سطح البحر أن يملكَ هكذا حناجِرَ جميلةً. أما غناءُ حورية البحر الصغيرة فكان الأكثر عذوبةً بينهم جميعا وقد صفقوا بأيديهم لها، وللحظةٍ شعرتْ بالفرح يغمرُ قلبها إذ إنها كانت على علم بأن صوتَها هو الأجمل بين مَنْ هُم على الأرض ومن في البحر. ولكنها سرعان ما عادت إلى التفكير بالعالم في الأعلى فوقها، كل هذا لم يمكِّنها من نسيان الأمير الوسيم وحزنِها لكونها لا يمكن أن تملكَ روحا خالدة مثلَه. لذا تسللتْ خارجةً من قصر أبيها، وبينما كان الجميع يغني مبتهجا، جلست هي حزينة في حديقتِها الصغيرة. أثناء ذلك تناهى إلى سمعِها صوتُ بوق يتردد من خلال الماء ففكرت: " لابد وإنه سيبحر بعيدا، هو الذي أُحبُّه أكثرَ من أبٍ وأمٍ، هو الذي تعلقت به روحا وجسدا والذي أتمنى أن أضعَ حياتي بين يديه. سأتجرأُ على فعل كل شيء من أجل أن أفوزَ به وبروحه الخالدة. وبينما أخواتي يرقصنَ في الداخل عند قصرِ أبي سأذهبُ إلى ساحرةِ البحر، وهي التي كنت دوما أخشاها ولكنها لربما تتمكن من إعانتي ومساعدتي.

وخرجتْ الحوريةُ الصغيرة من حديقتِها متوجهة إلى السورات العظيمة الفوارة، حيث تسكن الساحرة خلفها. لم تسلك هذا الطريق من قبلُ أبداً. وهناك لم تنم أزهار ولا أعشاب بحر، لا شيء غير القاع الرملي الرمادي العاري امتد حول الدوامات تلك حيث الماء وكأنه عجلة طاحونة فوارة، التَّفَ دائريا جارفاً معه كل ما تمكن منه إلى الأعماق. كان عليها أن تمرَّ عبرَ تلك الدوامات الساحقة كي تدخلَ منطقة ساحرة البحر. وبعدها يتوجب عليها أن تقطع مسافةً طويلة فوق الطمي الفوار الحار الذي أطلقتْ عليه الساحرة اسم مستنقع الخث الخاص بها، هناك في عمق الغابة السحرية العجيبة يقع بيت الساحرة. كانت كل الأشجار والشجيرات من البولوب، بشكل نصف حيوان نصف نبات. بدتْ وكأنها مئاتٌ من رؤوس ثعابين نمت من الأرض. كل الأغصان كانت لزجة الأذرع طويلة، وأصابعها تشبه ديدانا لينة متحركة،ً من الجذر حتى أقصى طرف لها، مِفْصَلاً بعد مفصل. التفّت تلك النباتات وقبضتْ على كل ما يمكنُ القبضُ عليه في البحر بقوةٍ ولم تفلتْه. وقفتْ حوريةُ البحر الصغيرة هناك وقد تملكها الفزع تماما. دقَّ قلبُها رعباً وأوشكتْ أن تعود لولا إنها فكرت في الأمير وروحِ البشر فاستعادتْ شجاعتها. عقدتْ شعرها الطويل المرفرف حول رأسها كي لا تمسك به البوالب هناك، وضعتْ كلتا يديها على صدرِها و طارتْ منطلقة.ً ولأنها سمكةٌ كان يمكنها الطيران بين تلك البوالب القبيحة التي مدتْ أذرعَها اللينةَ وأصابعها تودُ الإمساك بها. كانت ترى كيف تقبضُ تلك النباتات على الأشياء، مئاتٌ من الأذرع الصغيرة أمسكتْ بالأشياء وكأنها أربطةٌ حديدية قوية. كان الناس الذين قضوا نحبهم في البحر وغرقوا عميقا في الأسفل، برزوا كهياكل عظمية بيضٍ بين أذرع البوالب. كانت هناك مراوحُ سفنٍ، صناديقٌ خشبيةٌ عَلَقَتْ تماما، هياكلُ لحيواناتٍ برية وحوريةِ بحرٍ قبضت عليها وخنقتْها، كانت بالنسبة لها من أشدِّ المناظر المرعبة.
دخلتْ مكانا واسعا لزجا في الغابة حيث ثعابينُ ماءٍ سمينة ضخمة كانت تصخَبُ وقد بانت بطونها بشعةً صفراً مائلةً إلى البياض. هناك شُيِّدَ بيتٌ وسطَ المكان من عظامٍ بيض تعود لبشر غرقى. جلستْ ساحرةُ البحر تُطعمُ ضفدع الطين الضخم كما يطعمُ البشر طيرَ الكناري الصغيرَ السكرَ من فمهم. وتلك الثعابين السمينة البشعة التي أطلقت عليها بدجاجاتها الصغار، تركتها تتقلّبُ على صدرها الفطري الضخم.
" أعرف ما تريدين!" قالت لها الساحرة " وإنها لحماقةٌ منك! لكن ستحصلين على أمنيتك بالرغم من ذلك، وهذا سيجلب لك التعاسة يا أميرتي الجميلة. وتابعت " أنتِ تودين التخلص من ذيلك ِ وعوضا عنه تريدين قَصَبتين تسيرين بهما كالبشر، كي يُتَيَّمَ الأمير الشاب بك فتحصلين عليه وعلى روحٍ خالدةٍ!" وفجأةً قهقهتْ الساحرة بصوت عال قبيح جعل الضفدع والثعابين تسقط وتنقلبُ على الأرض. " لقد جئتِ في الوقت المناسب بالضبط، فغداً وعندما تشرقُ الشمس لن أتمكن من مساعدتِكِ إلا بعد عام من هذا اليوم!" قالت الساحرة وواصلت، " يتوجب عليَّ أن أصنع لك شرابا ولكن عليك وقبل شروق الشمس أن تعومي إلى اليابسة وتجلسي على الساحل وتشربيه، حينها سينشقّ ذيلُكِ ويضيق ليأخذ شكلا يطلق عليه البشر شكل ساقين جميلين، ولكن ذلك سيكون مؤلما وكأن سيفا بنصلٍ حاد سيشطركِ. كل الذين سيرونكِ سيقولون أنك الأجملُ من بين أطفال البشر الذين رأوهم في حياتهم. ستبقين محتفظة بتمايلكِ ولن تفوقَكِ راقصة في هذا ولكن كلَّ خطوةٍ ستخطينها ستكون وكأنك تدوسين على سكين مشحوذةٍ وسيسيلُ دمك. إن أعجبكِ كل ذلك فسأساعُدكِ؟"
" أجل!" أجابتْ الحوريةُ الصغيرة بصوت يحمل تصميما، مفكرة بالأمير والفوز بروح خالدة
فردتْ الساحرة، " ولكن تذكري، حالما تحصلين على قوام بشري سيكون من المحال أن تعودي حوريةً مرة ثانية! لن يمكنكِ النـزولَ إلى الأسفل في الماء حيث أخواتُك وقصرُ أبيك، وإن لم تفوزي بحبّ الأمير إلى الحد الذي ينسى فيه الأبَ والأم من أجلكِ، ويتعلقُ بكِ بكل فكرِه ويدعُ القسَ يشبكُ أيديكما كي يعلنكما زوجا و زوجة، إن لم يحدث كلُّ ذلك لن تكون لك روحٌ خالدةٌ! ففي صباح اليوم الذي سيتزوجُ به من غيرِك سيتفطرُ قلبُك كمدا و تتحولين إلى زبدٍ فوق سطح الماء.
" أريد ذلك!" قالت الحورية وكانت شاحبةً وكأنها ميتةٌ. " ولكن عليك أيضا أن تدفعي لي!" ردتْ الساحرة عليها، " ولن يكون ما أطالب به بالأمر الهين، عندكِ أجمل حنجرة من بين الكل هنا في قاع البحر، يمكنُكِ سحرَ الأميرِ بها، لكن يتوجب عليك أن تعطيني هذا الصوت. أنا أريد أخذ أفضل ما تملكين ثمنا لشرابي الثمين. سأقطرُ من دمي في هذا الشراب ليكون قويا كسيفٍ بحدين.
قالت الحورية الصغيرة، " ولكن إن أخذتِ صوتي ما الذي سيتبقى لي إذاً؟"
ردت عليها الساحرة " قوامُك الجميل، تمايلُه و عيونُك التي بحالها تملك لغةً، بهما ستتمكنين بلا شك من سلب لُبِّ قلبه، أم ماذا، هل فقدتِ الشجاعة؟ مدي لي لسانكِ الصغير لأقطعَه كثمن فأعطيك الشراب الفعال".
" ليحصل ذلك!" أجابت الحورية الصغيرة ووضعت الساحرة القدر على النار لتقوم بغلي شراب العفاريت. فرَكت القدر بالثعابين التي ربطتها في عقدةٍ، مرددة " النظافة أمرٌ ضروري!". قامت بخدش صدرها ليقْطُرَ دمها الأسود في القدر. كوَّن البخار أشكالا غريبةً تجعلُ المرء خائفا فزعا. أخذت الساحرة تلقي في كل لحظة شيئا جديدا في القِدر، وعندما بدأ القدر بالغليان بشدة كان مثل تمساح يبكي. في النهاية تمَّ صنعُ الشرابِ وقد بدا وكأنه ماءٌ زَلالٌ بصفائه.
" ها هو الشراب!" قالت الساحرة و قامت بقطع لسان حورية البحر الصغيرة التي صارت بكماء لا يمكنها الغناء ولا النطق.
" إن حاولتْ البوالب القبضَ عليكِ في طريقك للعودة عبر غابتي، لا عليك سوى إلقاء قطرة واحدة من هذا الشراب عليها، حينها ستتمزق أذرعُها و أصابعُها إلى آلاف القطع!" قالت لها الساحرة. لكن الحورية لم تحتج لذلك فحالما رأتْ النباتات ذلك الشرابَ الرائق الذي لمع بيدها وكأنه نجمةٌ لامعةٌ انسحبت فزعةً. وبهذا تمكنت من عبور الغابة والخث والسورة الفوارة بسرعة.
اقتربت الحوريةُ من قصر والدها. المصابيح قد أُطفئت في بهو الرقص. ونام الجميع في الداخل ولكنها لم تجرؤ على البحث عنهم فهي الآن خرساء وهي ترغب بأن تبتعد عنهم إلى الأبد. وقد تقطع قلبُها من الحزن. تسللت إلى الحديقة وأخذت زهرة من كل حوض من أحواض زهور أخواتها، ألقت ألف قبلةٍ بإصبعها تجاه القصر وصعدت عاليا عبر البحر النيلي.
لم تكن الشمس قد طلعت بعد عندما رأت قصر الأمير وتسلقت درجات السلم المرمري. القمر يلمع بصفاء رائع. شربت الحورية الصغيرة الشراب الحارق اللاذع وكأن سيفا قد شرط جسدها الناعم. أُغمي عليها في الحال واستلقت كميتةٍ. عندما أشرقت الشمس فوق البحر استيقظت وشعرت بآلام حارقة، ولكن الأمير الوسيم كان واقفا أمامها تماما وقد ثبّت عينيه الفاحمتين الجميلتين في عينيها. خفضتْ عينيها فاكتشفت بأن ذيلَها قد اختفى، وقد صار لديها أرشق ساقين بيضاويتين يمكن لبنت أن تملكها، ولكنها كانت عاريةً لذا لحفتْ جسدها بشعرها الأسود الطويل. سألها الأمير عمن تكون، وكيف وصلت إلى هنا، نظرت إليه برقةٍ وهيام بعينيها الزرقاويتين الغامقتين، فلم يكن بإمكانها النطق كما نعلم. لذا فقد أخذ الأمير بيدها وأدخلها القصر. وكما قالت الساحرة لها مسبقا فكل خطوة ستخطوها وكأنها تدوس على حافة مخارز وسكاكين حادة. ولكن لم يكن كل ذلك غير مقدور عليه. صعدتْ بخفةٍ متكئةً على يدِ الأمير وكأنها فقاعة وقد أُعجِبَ بها هو والكل لخطواتِها المتمايلة الرشيقة.
حصلت الحورية على ثياب ثمينة من الحرير والموسلين، وفي القصر كانت هي الأجمل بين الجميع، ولكنها كانت خرساء،لم تستطعْ لا الغناء ولا النطق. وجاءت الجواري الحسناوات كي تغني للأمير ووالده الملك وأمه الملكة، الأغنية تلو الأخرى، وإحدى الجواري كانت الأفضل بينهن في صوتها الرخيم و أدائها المتقَن فصفق الأمير لها وابتسم. شعرتْ الحورية بحزن عميق فهي تعلم بأنها كانت تغني أجملَ بكثير! فكرتْ مع نفسِها: " آه لو يعلم بأني قد منحتُ صوتي إلى الأبد ثمنا من أجل أن أكونَ عنده!"
بعد ذلك قامت الجواري الحسناوات بالرقص رقصات بديعةً على أنغام موسيقى فائقة الروعة. فما كان على الحورية الصغيرة إلا أن رفعت ذراعيها الجميلتين البيضاويتين ونهضت على أطراف أصابعها وتمايلت على الأرضية راقصةً كما لم يرقصْ أحدٌ من قبل، وقد تجلى حسنُها في كل حركة أكثر وأكثر وحاكتْ عيناها القلوب أعمقَ بكثير من غناء الجواري.
كان الكل سعيدا هناك، على الأخص الأمير الذي دعاها بـ طفلتِه اللقيطة، وقد رقصت ورقصت بالرغم من إنها كلما لامستْ قدمُها الأرض كانت وكأنها تدوسُ على سكاكين حادة. أخبرها الأمير بأنها ستبقى عنده إلى الأبد وقد سُمِحَ لها بأن تنام عند عتبة داره على مخدة مخملية.
أمر الأمير بخياطة بدلة رجالية لها لكي ترافقَه في ركوبه الخيل. و جالا معا في الغابات الفواحة حيث الأغصان الخضر تضرب كتفيها والعصافير تغني خلف الأوراق النضرةِ. تسلقتْ مع الأمير أعالي الجبال. ورغم أن قدميها كانتا تنـزفان، وبإمكان الآخرين رؤية ذلك، لكنها كانت تضحك وتتبع الأمير عاليا حتى يُبحر الغيم تحتهما كسرب طيور إلى بلد غريب.
وعندما ينام الآخرون بحلول المساء في قصر الأمير، تتسلل خارجا لتسير على السلم المرمري العريض إذ إن الوقوف في ماء البحر كان يبرِّد قدميها المحترقتين. هناك عند البحر كانت تفكر بمن هم في الأسفل.
وفي ليلة جاءت أخواتهُا وهنَّ يمسكن يدا بيد وغَنَيْن أغنيةً حزينة جدا عندما عِمْنَ فوق سطح الماء، وقد لوحتْ لهن بيدها فتعرفوا عليها وأخبروها عن بالغ الحزن الذي سببته لهم جميعا.
ومن يومها وأخواتها يزرنها كل ليلة، وذات ليلة رأت من بعيد الجدة العجوز التي لم تصعد إلى فوق منذ سنين، ورأت ملك البحار وتاجه فوق رأسه، لقد مدا أيديهما تجاهها ولكنهما لم يجسرا كأخواتها على التقرب إلى اليابسة أكثر.
تقربت الحورية أكثر وأكثر إلى قلب الأمير الذي أحبها كما يحب المرء طفلا عزيزا عليه، أما فكرة أن يتوجها ملكةً له، فهذا ما لم يكن يفكر به إطلاقا، ولكن لابد من أن تكون زوجته وإلا فلن تحصل على روح خالدةٍ، بل ستتحول إلى زبَدٍ فوق سطح البحر صباح زواجه.
" ألا تحبني أكثر من الكل!" قالت عينا الحورية الصغيرة عندما أخذها بين ذراعيه وقبّل جبهتها البهية.
أجابها الأمير، " بالطبع، أنت الأحب إلى قلبي، فلكِ أطيب قلب من بينهم، وأنتِ تكادين أن تكوني الأكثر إخلاصا، وأنتِ تشبهين أيضا فتاةً شابةً قابلتها مرة ولكني أشك في أن أراها ثانية، كنت في سفينةٍ غارقة والأمواج جرفتني إلى سطح يابسة قرب معبد مقدس كان فيه العديد من الفتيات اللواتي يخدمن فيه، أصغرهن عثرتْ عليّ عند الساحل وأنقذت حياتي، لقد رأيتها مرتين فقط، كانت الوحيدة التي أحببتها في هذا العالم، ولكنكِ تشبهينها وكأنك تخفين صورتها عن روحي، إنها تنتمي إلى ذلك المعبد المقدس، لهذا السبب أرسلَكِ حظي الجميل إليّ، لن نفترقَ أبدا!"
وفكرت الحورية الصغيرة: أوه، هو لا يعلم بأنني أنا التي أنقذتُ حياتَه، لقد حملته عبر الماء إلى الغابة حيث المعبد، وكنتُ جالسةً خلف الزبد أراقبُ مرور بشر هناك من أجل إنقاذه، ورأيت تلك الفتاة الحسناء التي يعشقها أكثر مني!" تنهدتْ الحورية بعمق ولم تتمكن من البكاء. " الفتاة تنتمي إلى المعبد المقدس، لن تخرج إلى العالم أبدا كما قال، لن يلتقيا أبدا بعد الآن، وأنا عنده، أراه كل يوم، أعتني به، أحبُه، أضحي بحياتي من أجله!"
ولكن يقالُ بأن الأمير سيتزوج من الإبنة الجميلة للملك المجاور لهم، ولهذا الغرض سيقوم بتجهيز سفينةٍ تجهيزا ضخما. الأمير سيسافر ليرى بلد الملك المجاوركما أُعلِن، والحقيقة هي إنه سيسافر ليقابلَ ابنة الملك، وسيتوجب عليه أن يأخذ معه وفدا كبيرا من المرافقين. ولكن الحورية الصغيرة هزت رأسَها وضحكت، فقد كانت تقرأ أفكار الأمير أفضل من الآخرين. قال لها " لابد لي من السفر، يجب أن أرى تلك الأميرة الحسناء كما أمرني والداي، ولكنهما لا يرغبان في إجباري على المجيء بها هنا كعروسٍ لي، لا يمكنني أن أحبَها، هي لن تشبه تلك الفتاة الفاتنة في المعبد والتي تشبهينها، إن كان لي أن اختار يوما فستكونين بلا شك أنتِ، يا طفلتي اللقيطة الخرساء ذات العينين الناطقتين!"، قبّلَّ فمَها الأحمر وعبث بشعرها الطويل ووضع رأسه عند قلبها فحلمتْ هي بسعادة البشر والروح الخالدة.
وعندما صعدا السفينة الفخمة التي كانت ستقودهما إلى بلد الملك المجاور، قال الأمير" يبدو لي بأنكِ لا تخشينَ البحر، يا طفلتي الخرساء!" وحدثها عن العواصف، عن سكون البحر، عن الأسماك الغريبة في الأعماق وما رآه الغطاسون هناك، وقد ابتسمت لكل حكاياه فلا أحدَ يعلمُ شيئاً أفضل منها عن قاع البحر.
في تلك الليلة المقمرة الصافية وقد نام الجميع، عدا القبطان الذي وقف عند الدّفة، جلست الحورية الصغيرة عند حافة سياج السفينة تبحلق في الأسفل عبر الماء الصافي وقد رأتْ قصر والدها، و في أعلى القصر وقفت الجدة العجوز بتاجها الفضي على رأسِها ترنو إلى الأعلى عبر تيارات الماء القوية عند أسفل السفينة. لحظتها طلعتْ الأخوات فوق الماء، نظرن إليها بحزن شديد وفركن أيديهن البيض، لوّحت لهن بيدها، وهي تبتسم، كانت تود أن تخبرهن بأن كل شيء يسير معها بشكل جيد وهي سعيدة، لكن الملاح تقرّب منها كثيرا فغطست الأخواتُ تحت الماء، واعتقد الملاح حينها بأن الذي رآه كان مجرد زبد أبيض على سطح البحر.
في صباح اليوم التالي رست السفينة في ميناء مقاطعة الملك المجاور الراقية. دقت أجراس جميع الكنائس وقد نُفِخَ بالبوق بينما وقف الجنود بأعلامهم المرفرفة والحربات اللامعة. وقد أقيمت الإحتفالات يوميا، حفلاتٌ ورقصٌ يتوالى، ولكن الأميرةَ لم تظهر بعد،وقد قيل بأنها تربّت بعيدا في معبد مقدس لكي تتلقى الدروس في حسن التصرف والآداب. ولكنها أخيرا حضرت.
وقفت الحورية الصغيرة متلهفة لرؤية جمال الأميرة وكان عليها أن تعترف بذلك، فلم تر في حياتها قواما أجمل من الذي رأته، جلدُها كان ناعما صافيا وخلف الرموش الغامقة اللون ضحكت عينان سوداوان صادقتان.
قال الأمير، " أنها أنتِ، أنتِ التي خلصتني عندما كنت مُلقى جثةً عند الساحل!" وحضن العروسَ المتوردةَ خجلا بين ذراعيه. وقال للحورية الصغيرة، " أنا في غاية السعادة، لقد تحقق ما لم أجرؤ على تمني تحققِهِ. ستسعدين لسعادتي فأنت التي تُحبني أكثر من الجميع!" قبّلت الحورية الصغيرة يدَه وشعرتْ حينها بأن قلبَها سينفطر حزنا، فصباحه الأول بعد زواجه سيعني موتها وتحولها إلى زبد فوق سطح البحر.
ودقت كل أجراس الكنائس ودار المنادون في الأزقة فوق خيولهم معلنين الخطوبة. وحُرِقَت زيوت العطر الثمينة في كل مذابح الكنائس في مصابيح ثمينة من الفضة. ودار القساوسة بأوعية البخور، وشبك العروس والعريس أيديهما وقد باركهما الأسقف. ارتدت حورية البحر الصغيرة الحرير والذهب ووقفت ممسكةً بإكليل العروس، لكن أذنها لم تسمعْ الموسيقى الإحتفالية وعينها لم تر الطقوس والشعائر الدينية فقد كانت تفكر بليلة موتها، وبكل ما خسرتْه في هذا العالم.
ذات المساء صعد كل من العروس والعريس فوق السفينة، فأطلقت المدافع، ورفرفت الأعلام وشيدت وسط السفينة خيمةٌ كبيرة من الذهب والمخمل الأرجواني مزودة بأحلى الوسائد، حيث سيقضي فيها العروسان ليلة هادئة باردة.
انتفخت الأشرعة في الريح وانزلقتْ السفينة بخفةٍ إلى البحر الصافي.
وعندما حلَّ الظلام أوقدتْ القناديل الملونة ورقص البحارة بمرحٍ على سطح السفينة. كانت الحورية الصغيرة تفكرُ بأول مرةٍ صعدت فوق سطح البحر ورأت ذات الجمال والفرح. ودارت معهم في الرقص، تتخاطفُ كالسنونوةِ عندما تُطارد، وقد حياها الجميع إعجابا فهي لم ترقص مثل هكذا رقص رائع من قبل، لقد أحستْ وكأن سكينا حادة قطعتْ قدميها الناعمتين ولكنها لم تهتم لذلك فجرح قلبها كان أكثر ألماً. هي تدرك جيدا بأنها الليلةُ الأخيرةُ التي تراه فيها، هي التي تركت أهلها ووطنها و منحت حنجرتهَا الذهبيةَ من أجله. لقد قاست آلاما ليس لها نهاية دون أن يفكر بها إطلاقا. إنها الليلة الأخيرة التي ستتنفس فيها الهواء الذي يتنفسه. نظرت إلى البحر العميق والسماء الزرقاء المرصعة بالنجوم، تنتظرها ليلة أبدية بلا أفكار أو أحلام، لم تملك روحا ولم تفز بها. ولم يكن غير الفرح والمرح فوق السفينةِ، الذي استمر حتى بعد منتصف الليل وهي تضحكُ وترقص مع فكرة الموت في قلبها. قبَّل الأمير عروسَه و لعبت الأميرة بشعره الأسود، وسارا كتفا لكتف ليستريحا في خيمتِهما الفخمة.
عم الهدوء السفينةَ، لم يكن هناك غير القبطان واقفا عند دفة السفينة. وضعتْ حورية البحر الصغيرة ذراعيها البيضاويين على حافة سياج السفينة تنظر تجاه الشرق إلى احمرار الصباح وهي تعلم بأن أول شعاع شمس سيقتلها. فجأةً رأت أخواتها يصعدن فوق سطح البحر، كن شاحبات مثلها ولم يعد شعرهن الطويل يتطاير مع الريح فقد كان مقصوصا؛ " لقد منحناه للساحرة لتقدمَ النجدة لكِ، كي لا تموتي هذه الليلة! وأعطتنا سكينا، هذه هي! هل ترين كم هي حادة؟ قبل شروق الشمس عليك غرزُها بقلب الأمير، وحين يطفر الدم على قدميك، سينموان إلى ذيل سمكةٍ وستصيرين حورية بحر من جديد، سيكون بإمكانك النزولُ إلينا في الماء وستعيشين أعوامكِ الثلاثمائة قبل أن تتحولي إلى الرغوة الميتة المالحة. هيا اسرعي! يجب أن يموت واحد منكما قبل أن تشرق الشمس! إن جدتَنا العجوز نادبةٌ، تساقط شعرها الأبيض بسببكِ، كما تساقط شعرنا نحن تحت مقص الساحرة. اقتلي الأمير وعودي! اسرعي، ألا ترين الخط الأحمر في السماء؟ بعد دقائق ستشرق الشمس وستموتين!" وأطلقن تنهيدة عميقة غريبة وغبن في الموج.
رفعت الحورية الصغيرة طرف السجادة الأرجوانية على الخيمة فرأت العروس الحسناء نائمةً على صدر الأمير. انحنت الحورية عليه لتقبلَه على جبهته البهية، نظرت إلى السماء حيث احمرار الصباح أضاء أكثر وأكثر، نظرت إلى السكين الحادة ومن ثم ثبتتْ عينيها على الأمير الذي كان يذكر اسم عروسِه في أحلامه، لم يكن غيرُها في فكره وخياله. عندها ارتجت السكينُ في يدها، فألقتها بعيدا في الموج الذي شع إحمرارا في المكان الذي وقعت فيه السكين. بدا وكأن قطرات دم تصعد من الماء. نظرت ثانية نظرةً نصفَ متحجرة إلى الأمير قبل أن تٌلقي بنفسها من على ظهر السفينة إلى البحر وقد شعرت بجسدها وهو يذوب ويصير رغوةً.


صعدت الشمس من البحر وسقطت أشعتها رقيقة دافئة على زبد البحر الميت البارد والحورية الصغيرة، ولكنها لم تشعر بالموت. رأت الشمس المشرقة، ومن فوقها حَلقّتْ مئاتٌ من المخلوقات الشفافة الجميلة، كان يمكنها رؤية شراع السفينة الأبيض و غيوم السماء الحمراء عبرها. كانت أصواتها ألحانا ولكنها أنفاسٌ روحيةٌ لا تسمعها أذان البشر، كذلك لا تراها عين بشر. حلّقت بلا أجنحةٍ بخفتِها في الهواء. رأت حورية البحر الصغيرة بأن لها جسما كجسمهم وقد ارتفع قليلا قليلا من الزبد.
" لمن أنا آتيةٌ؟" سألت الحورية الصغيرة وقد رن صوتها مثل المخلوقات الأخرى، صوتٌ روحي لا يمكنُ لأي موسيقى أن تأتي بمثله.
أجاب الآخرون: " إلى بنات الريح، الحورية ليس لها روحٌ خالدةٌ و لا يمكن أن تحصلَ عليها مطلقا إن لم تفز بحب إنسان من البشر، حياتُها الخالدة رهن الآخر الغريب. بنات الريح لا يملكن روحا خالدة كذلك ولكنهن بالأعمال الحسنة يمكن أن يخلقن ذلك. نحن نطير إلى البلاد الحارة حيث هواء الطاعون الرطب يقتلُ الناس، هناك ننفخُ الهواء البارد كالنسيم لينعش البشر. نحن ننشر عطر الزهور في الهواء ونروِّح عن الناس ونطببَهم. عندما نسعى من أجل فعل الخير طيلة الثلاثمائة عام قدر استطاعتنا سنفوز بروح خالدة ونحصل على سعادة البشر. وأنت أيتها الحورية الصغيرة التعيسة قد سعيتِ من كل قلبكِ من أجل ذات الهدف مثلَنا، لقد عانيتِ وصبرتِ لذا فقد ارتفعتِ إلى عالم الأرواح الأثيرية والآن بإمكانك بفعل الأعمال الحسنة خلق روح خالدة لك بعد ثلاثمائة عام!"
ورفعتْ الحورية الصغيرة ذراعيها الشفافين تجاه شمس الرب ولأول مرةٍ شعرتْ بدموعها.
كان هناك صخب وحياة مرةً أخرى على سطح السفينة وقد رأت الأمير مع عروسه الحسناء يبحثان عنها. نظرا بأسى في الزبد الفوار وكأنهما علِما بأنها سقطت في موج البحر. قبّلت جبهة العروس قبلة غيرَ مرئية وابتسمت له وصعدتْ مع أطفال الهواء الآخرين عاليا فوق الغيمة الوردية التي أبحرت في الهواء.
" بعد ثلاثمائة عام سنحلِّق هكذا في ملكوت الرب!"
همست أحداهن " بإمكاننا أيضا الوصول إلى ملكوت الرب بوقت أبكر! نحن نحلِّق في بيوت البشر دون أن يرانا أحد، في الأمكنة حيث يتواجد الأطفال، وكل مرة نجد فيها طفلا مؤدبا يُسعد والديه ويستحق حبهما يقصِّر الله وقت اختبارِنا، فالطفل لا يشعر بنا ونحن نطير عبر غرفته، وعندما نبتسم له، ستؤخذ سنة من الثلاثمائة، ولكننا عندما نرى طفلا مشاكسا وشريرا نبكي حزنا وكل دمعة تضيف يوما إلى وقت اختبارنا "
كتبت في عام1837